عبد الله بن أحمد النسفي

75

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 32 ] قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 32 ) وَكُلُوا من اللحم والدسم وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا بالشروع في الحرام ، أو في مجاوزة الشبع إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : كل ما شئت واشرب ما شئت والبس ما شئت ما اخطأتك خصلتان سرف ومخيلة . وكان للرشيد « 1 » طبيب حاذق فقال لعليّ بن الحسين بن واقد « 2 » : ليس في كتابكم من علم الطبّ شيء ، والعلم علمان ، علم الأبدان وعلم الأديان ، فقال له عليّ : قد جمع اللّه الطبّ كلّه في نصف آية من كتابه وهو قوله وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ، فقال النصراني : ولم يرو عن رسولكم شيء في الطبّ ، فقال : فقد جمع رسولنا الطبّ في ألفاظ يسيرة وهي قوله عليه السّلام : ( المعدة بيت الداء والحمية رأس كلّ دواء وأعط كلّ بدن ما عوّدته ) « 3 » فقال النصراني ما ترك كتابكم ولا نبيّكم لجالينوس طبّا . ثم استفهم إنكارا على محرّم الحلال بقوله : 32 - قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ من الثياب وكلّ ما يتجمّل به الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ أي أصلها يعني القطن من الأرض والقزّ من الدود وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ والمستلذّات من المآكل والمشارب ، وقيل كانوا إذا أحرموا حرّموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا غير خالصة لهم ، لأنّ المشركين شركاؤهم فيها خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ لا يشركهم فيها أحد ، ولم يقل للذين آمنوا ولغيرهم لينبه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة والكفار تبع لهم . خالصة بالرفع نافع ، فهي مبتدأ خبره للذين آمنوا ، وفي الحياة الدنيا ظرف للخبر ، أو خالصة خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف أي هي خالصة ، وغيره نصبها على الحال من الضمير الذي في الظرف الذي هو الخبر ، أي هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها يوم القيامة كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ نميّز الحلال من الحرام لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أنه لا شريك له .

--> ( 1 ) الرشيد ، هو الخليفة العباسي هارون الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور دامت ولايته 23 عاما ، ولد عام 149 وتوفي عام 193 ه ( الأعلام 8 / 62 ) . ( 2 ) سبق ترجمته في 4 / 171 . ( 3 ) هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب ( أسنى المطالب ص 325 ) .